|
نجاحاتي وإخفاقاتي في حياتي العملية والشخصية ترتبط بشكل وثيق
بالصحافة وعالم النشر منذ طفولتي إلى أن بلغت السبعين من العمر،
عندما بعت وأخي محمد 40% مما نملكه في المجموعة السعودية للأبحاث
والتسويق التي أنشأناها هي والشركات التابعة لها تمهيداً لتحويلها
إلى شركة مساهمة عامة.
تركنا العمل اليومي أخي محمد فيه الذي كنت أنا رئيساً لكل شركات
المجموعة وأخي محمد نائباً لي، والذي كان يتطلب منا السفر الذي لا
ينقطع بين سبعة عشر مدينة في أربع قارات تصدر من بعضها مطبوعاتنا
وتطبع في كلها جريدة "الشرق الأوسط" جريدة العرب الدولية.
تركنا العمل اليومي الذي نعشقه بعد أن أصبح مع تقدمنا في العمر
والظروف التي سادت وقتها مرهقاً بدنياً ونفسياً، واكتفينا بأن نكون
أعضاء في مجلس إدارة المجموعة.
بدايتي كانت عام 1939 في المدينة المنورة عندما بلغت الثامنة من
عمري. عملت في مكتب والدي وعمي الذي كان عبارة عن دكان بها مكتبان
في واجهة الدكان، وباب يستعملانه للدخول إلى عنبر المطبعة وبعض
كراسي الخيزران، ولا تتجاوز مساحته العشرة أمتار مربعة وبه بعض
الرفوف عليها كتب مطبوعة ومخطوطة وخزانة من الحديد لها مفتاحان
أحدهما مع والدي والآخر مع عمي، وعلى الجدار إطارات بداخلها آيات
قرآنية كلها هدايا لوالدي وعمي من خطاطين في المدينة المنورة
بمناسبة صدور الجريدة. بجوار هذا الدكان آخر بنفس المساحة متصل
بعنبر المطبعة الذي كان على شكل مثلث طويل. الدكانان والعنبر بهما
جريدة ومطبعة المدينة المنورة. في هذين الدكانين والعنبر كان لي
ركن صغير عليه منضدة خشبية أسفلها رف. المنضدة كانت لصنع الشاي
والرف للكتب المدرسية التي أحضرها معي للمذاكرة أو للقراءة، وعملي
هو تقديم الشاي والمرطبات لضيوف والدي وعمي.
لقد كان مكتب والدي وعمي المركز الثقافي والإعلامي في المدينة
المنورة ويزوره المفكرون والأدباء والساسة من مختلف الدول العربية
الذين يأتون لزيارة قبر رسول الله والصلاة والسلامل عليه ، وأذكر
أني قدمت الشاي والماء البارد لطه حسين وعباس محمود العقاد وحسن
البنا ومحمد حسنين هيكل باشا وشكري القوتلي والحبيب بورقيبة
وغيرهم.
بعدها بسنتين عملت عاملاً في المطبعة، ومع تقدمي في العمر أتقدم في
المعرفة بأسرار العمل الصحفي والطباعي، وعالم التوزيع والإعلان
للصحافة اليومية والأسبوعية.
كان صدور نظام المؤسسات الصحفية في السعودية هو الضربة القاضية
لطموحاتنا الصحفية، والتي أصبح بموجبه أن يتحكم في الصحافة
والصحفيين الموظفون في وزارة الإعلام السعودية.
كنا نملك وندير صحيفة يومية من الدرجة الأولى، ووجدنا أنفسنا بين
يوم وليلة، إما خارجها كما حدث لي ولوالدي السيد علي حافظ – رحمه
الله، وإما داخلها كأعضاء وموظفين يتبعون تعليمات موظفي وزارة
الإعلام السعودي مثل أخي محمد وعمي السيد عثمان حافظ – رحمه الله.
سلبت منا الجريدة و أعطيت لغيرنا و بدون أن تدفع الدولة أو
المالكون الجدد قيمتها.
نظام المؤسسات الصحفية صدر لكي يكبح جماحي، وأنا أتحمل مسؤولية
تحويل الصحافة السعودية من صحافة تناضل لكي تكون حرة، إلى صحافة
استكانت ورضيت أن تنام في حضن السلطة .... في حضن وزارة الإعلام،
وأصبحت صحافة القارئ الواحد .. أي السلطة كما يطلق مصطفى أمين
يرحمه الله على صحافة العالم العربي كله. لست أنا الذي ألقيتها في
سرير السلطة أو في مرجوحة وزارة الإعلام، ولكن الواقع يقول إني
وأخي محمد حولنا في عام 1961 جريدة "المدينة" الى جريدة يومية
حديثة بمعايير ذلك الوقت، وكنا نعمل بجرأة وعفوية، ولسنا طرفاً في
مصالح نحميها أو نخشى عليها، وعلى هذا الأساس دخلنا في معارك صحفية
متنوعة كان أخطرها عندما علقت في العمود اليومي الذي أتناوب على
كتاِِبته مع أخي محمد "صباح الخير" على تعيين الملك فيصل – يرحمه
الله الأمير مشعل بن عبد العزيز أميراً لمنطقة مكة المكرمة،
وأعترضت على هذا التعيين ، وقلت أن أهل مكة هم الذين يجب أن
يختاروا من يكون أميراً عليهم من أهل مكة ، وأن أهل مكة أدرى
بشعابها ، وأهل مكة لم يختاروا أن يكون الأمير مشعل أميراً عليهم
..
كان ذلك المقال هو القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقول العرب
العاربة والمستعربة، وحدث ما حدث من تحويل الصحافة إلى مؤسسات تتبع
وزارة الإعلام، وانقلب الحلم الذي حققناه بالسهر والعمل في إنشاء
صحافة حديثة ومتطورة إلى كابوس عانا منه والدانا إلى أن ماتا –
رحمهما الله.
كانت تلك الفترة القصيرة كأنها حلم ليلة صيف جميل أفقنا منها على
كابوس نظام المؤسسات الصحفية .. رجعت مرغماً إلى وزارة الخارجية
لأني كنت مخيراً بينها وبين السجن ، واخترت بالطبع جنيف
أمضيت سبع سنوات عجاف في جنيف عضواً في الوفد السعودي في المقر
الأوروبي للأمم المتحدة كسكرتير أول، وبقيت سكرتيراً أولاً مغضوب
عليه من السلطة، ولم أتمكن من العودة إلى بلدي لكي أعمل بها إلا
بعد أن تعرفت على الشيخ كمال أدهم – يرحمه الله، الذي جاء إلى جنيف
مبعوثاً من الملك فيصل للتفاوض مع قحطان الشعبي زعيم الجبهة
القومية في اليمن الجنوبي الذي كان يرأس الوفد الذي يفاوض الإنجليز
على استقلال جنوب اليمن وإنهاء المقاومة المسلحة والذي سيحكم اليمن
الجنوبي بعد ذلك .. يفاوضه على دور الأحزاب المحسوبة على المملكة
بعد خروج الإنجليز
. السفير في جنيف أو رئيس الوفد لدى الأمم المتحدة لم يتمكن من
الاتصال أو تحديد موعد، وعرفت مصادفة وأنا أتعرف بكمال أدهم بذلك.
قلت له .. هل تريد تقابل قحطان والوفد ؟ قال طبعاً وأنا هنا من أجل
ذلك. . فيصل الشعبي ابن عم قحطان والذي أصبح وزيراً للخارجية
واغتيل بعد ذلك، كان زميلي وصديقي في كلية التجارة والعلوم
السياسية في القاهرة، واستمر التواصل بيني وبينه، وعندما حضر إلى
جنيف كنا نلتقي باستمرار.
كمال أدهم – يرحمه الله، كان يقيم في نفس الفندق الذي يقيم فيه
الوفد، والحديث الذي دار بيني وبينه كان في صالون الفندق وبحضور
السفير. ذهبت إلى تليفون الفندق وطلبت فيصل الشعبي في غرفته وقلت
له ما يريده كمال أدهم، فطلب مني الانتظار عشر دقائق ليتصل بقحطان.
اتصل بي بعد ذلك وتحدد الموعد في اليوم التالي وطلب مني كمال أدهم
أن أحضر الاجتماع ولم يطلب من السفير ذلك. حضرت معه الاجتماع الذي
استمر من التاسعة والنصف مساءاً إلى الواحدة صباحاً. بعد الاجتماع
عرض علي أن أعمل معه في مكتب الاتصالات الخارجية. لم أتردد لحظة
واحدة وقبلت عرضه بدون مناقشة طبيعة العمل أو أية تفاصيل، فأنا
أريد أن أعود من المنفى لبلدي لأني كنت ضائعاً .. ضائعاً في جنيف
بعيداً عن طموحاتي.
بعودتي إلى جدة والاستقرار بها انتهت مرحلة جريدة المدينة المنورة
و ما حدث من سلبياتها وبدأت مراحل جديدة.
الأولى هي إنشاء " الشركة السعودية للأبحاث والتسويق" شركة تضامن
مناصفة بيني وبين أخي محمد، أغراضها – كما جاء في عقد تأسيسها
المؤرخ في 15/2/1392 هجرية، أي قبل حوالي 32 عاماً – تقديم خدمات
الأبحاث والتسويق – وما يتعلق بهما – بالطرق الشرعية والنظامية،
لأجهزة الدولة ورجال الأعمال والشركات والمؤسسات، في الداخل
والخارج برأسمال مقداره عشرة آلاف ريال.
ذهبت وأخي محمد إلى البنك وفتحنا حساباً للشركة ووضعنا فيه ما كنا
نحمله من نقود لم تتجاوز سبعمائة ريال سعودي.
ومن خلال كلمة (ما يتعلق بهما) في أغراض الشركة حاولنا أن ندخل من
(شباك) الصحافة بعد أن طُردنا من بابها، وأشرفنا على إصدار جريدة
(نداء الجنوب)، وأصدرنا العدد (صفر) من جريدة سميناها "الوسط"
شعارها (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) ولكنها لم تر النور بسبب نظام
المؤسسات الصحفية.
الثانية هي التي أدخلتنا حقيقة من (شباك) الصحافة بعد أن طُردنا من
بابها، وهي حصولنا على ترخيص إصدار جريدة "عرب نيوز" بمساعدة الشيخ
كمال أدهم والأمير تركي الفيصل، وزيادة رأسمال الشركة من عشرة آلاف
ريال إلى مليون ومائتي ألف ريال، ودخول الشيخ كمال أدهم والأمير
تركي الفيصل كشريكين في الشركة بحصص متساوية للشركاء الأربعة.
في ظل هذه الخطوة الجديدة صدرت جريدة "عرب نيوز" كأول جريدة يومية
باللغة الإنجليزية تصدر في المملكة . وتملكت الشركة وكالة "سنترال
برس فوتوز" للصور في "فليت ستريت" شارع الصحافة في لندن، والمبنى
الذي تشغله أقدم وكالة صور صحفية في العالم، وبذلك أصبح لنا قاعدة
في أشهر شارع للصحافة في العالم. الوكالة كانت على وشك الإفلاس
فاشتريناها بمبلغ لا يتعدى أل 50 ألف جنيه استرليني.
وبدأنا من هناك إصدار جريدة "الشرق الأوسط" التي جاءتني فكرة
إصدارها وأنا في إجازة صيفية في مدريد، وصدرت فعلاً بعد أقل من
سنتين من بداية الفكرة، وكان نجاحها السريع حافزاً لنا لتحقيق
طموحاتنا التي لم يكن لها حدود.
الثالثة كانت دخول الأمير سلمان بن عبد العزيز كشريك بعد أن باعه
كل منا (الشركاء الأربعة) 5% من حصته فأصبحنا خمس شركاء متساويين
في عدد الحصص.
وبعد زيادة رأسمال الشركة إلى خمسة ملايين ريال اشترى الأمير سلمان
حصص كل من الشيخ كمال والأمير تركي فأصبح يملك 60% من الشركة وأنا
وأخي محمد 40%.
كانت العودة إلى الصحافة من (الشباك) قد حولت الشركة السعودية
للأبحاث والتسويق، التي كانت أغراضها تقديم خدمات الأبحاث
والتسويق. وما يتعلق بهما – إلى أكبر دار صحفية في العالم العربي
تملك قاعدة نشر عريضة لها مجموعة من الصحف اليومية والمجلات
الأسبوعية والشهرية تعتبر الأولى من نوعها كل في مجالها، ولها
ذراعها التوزيعية القوية هي "الشركة السعودية للتوزيع"، و ذراعها
الإعلانية القوية الممثلة في "الشركة الخليجية للإعلان", و هي تملك
مطابعها للصحف و المجلات و هي الذراع الأنتاجية الأساسية في شركة
هي " المدينة المنورة للطباعة والنشر " ، أقدم شركة طباعة في
المملكة أسساها السيدان علي وعثمان حافظ يرحمها الله عام 1928 ..
العمل المتواصل، وسنوات الحركة المستمرة بين جدة ولندن أثمرت سبع
صحف يومية وصحيفة أسبوعية وعشر مجلات.
الرابعة كانت في إنشاء شركة المجموعة التي امتلكت الشركات، وتم
إعادة تقييم أصول الشركات وارتفع بهذا التقييم رأسمال مجموعة
الشركات ممثلة في الشركة المالكة ( المجموعة السعودية للأبحاث
والتسويق) إلى ستمائة مليون ريال، وأصبحت الشركة الجديدة تمتلك:
- الشركة السعودية للأبحاث والنشر.
- شركة المدينة للطباعة والنشر.
- الشركة السعودية للتوزيع.
- الشركة الخليجية للإعلان.
- شركة الأفق لنظم المعلومات.
- الشركة السعودية للعلاقات العامة.
وغيرها من الشركات الشقيقة والتابعة لشركات المجموعة في إنجلترا
والمملكة والخليج والمغرب.
وأصبحت المجموعة السعودية للأبحاث من شركات القمة في المملكة
العربية السعودية، وتصنف منذ سنوات في عداد المائة شركة الأولى
الكبيرة في المملكة العربية السعودية.
هذا إيضاح لا بد منه كي يكون مرافقاً لسيرة حياتي التي كان محورها
الصحافة والنشر وكل ما يتعلق بهما.
هشام علي حافظ
|
|