بلا حراك ..

بلا حراك ..
هشام علي حافظ
وقفت مشدوهاً ..
رفعت رأسي واجفاً ..
أتطلع بهيبةٍ ..
إلى شموخه ..
أرنو إلى رسوخه ..
يلفني شعور بالجلال ..
تُحيطني مشاعر الوقار ..
قلت أخاطب نفسي ..
هذا هو الكبير الشامخ ..
هذا هو الحكيم الدائم ..
هذا الذي منذ الخليقة ..
راسخٌ ها هنا ..
بلا حراك .
*****
سمعني ..! سألني الجبل ..
من؟ من أنت ..؟
أجبت والصدى يردد ..
ما قلته لنفسي ..
كأنه مئات الأصوات ..
أنا .. أنا الصغير ..
أمام عملاق كبير ..
قال بابتسامة ..
من خلال غيمة ..
بدت على محياه ..
أنت الكبير بعقلك ..
أنت القوي بشللي ..
تقدر أن تتحرك ..
تقدر أن تختفي ..
تقدر أن تظهر ..
وأنا ها هنا راسخٌ ..
في جمود ..
منذ الخليقة ..
منذ الأزل ..
إلى الأبد ..
بلا حراك .
*****
يهطل علي المطر ..
تصفعني الرياح ..
تمر على رأسي ..
تحجب وجهي ..
تقعد على صدري ..
أفواج السحاب ..
أمواج الغمام ..
يُزين الشتاء أكتافي ..
ببياض الجليد ..
يذوب ينحدر ..
في فصل الرييع ..
يسري في الجداول ..
يجري مع الأنهار ..
يصب في البحيرات ..
بخرير كالقبلات ..
يُمزجها بالحب ..
فيمنحها أكسير الحياهْ ..
وأنا ها هنا راسخٌ ..
في جمود ..
منذ الخليقة ..
منذ الأزل ..
إلى الأبد ..
بلا حراك .
*****
تحفر الآلاتُ ..
في جوفي طريقاً ..
يضج بعرباتٍ .. بقاطرات ..
ومن سفحي ..
إلى صدري ..
إلى قممي ..
تتلوى كثعبانٍ .. طرقات ..
تسكنني أنوعُ ..
الحياة والأحياء ..
الصقور تسكن قممي ..
على سفوحي ..
وجوانب الطرقات ..
بشر حيوانات وحشرات ..
الطائرات تمر فوقي ..
تُقدّر تحترم شموخي ..
تعترف بصلابتي ..
وأنا ها هنا راسخٌ ..
في جمود ..
منذ الخليقة ..
منذ الأزل ..
إلى الأبد ..
بلا حراك .
*****
في سفوحي ..
على جوانبي ..
تنموا الأشجار الباسقهْ ..
الشجيرات المزهرهْ ..
رونق حسني وجمالي ..
يشوهها الإنسان ..
هذا الإله ..
هذا الشيطان ..
ينحر يسحل أشجاري ..
يُسمم شجيراتي ..
يقتلع يعدم أحجاري ..
قربانا لشيطانه ..
وقودا لأطماعه ..
وأنا ها هنا راسخٌ ..
في جمود ..
منذ الخلقية ..
منذ الأزل ..
إلى الأبد ..
بلا حراك .
*****
موسيقى الطبيعة ..
تعزفها النسائم ..
على أوتار أشجاري ..
ورديهْ رقيقة ..
كأحلام العذارى ..
والبلابل والطيور ..
تؤلف تلحن وتغني ..
موسيقى الحياهْ ..
ترقص عليها الفراشات ..
تزف الحياة للأحياء ..
وأنا ها هنا راسخٌ ..
في جمود ..
منذ الخليقة ..
منذ الأزل ..
إلى الأبد ..
بلا حراك .
*****
تقسو الطبيعة ..
تعاقب الإنسان ..
فتهب رياح عاتيهْ ..
تُغضب أشجاري الباسقهْ ..
تجلدها تعذّبها ..
تقتلع شجيراتي الزاهرهْ ..
تنزعها تسحقها ..
وأنا ها هنا راسخٌ ..
في جمود ..
منذ الخليقة ..
منذ الأزل ..
إلى الأبد ..
بلا حراك .
*****
أما أنت ..
أيا كنت ..
أيا من تكون ..
ستموت تنقضي وتدفن ..
إما على جبلي ..
أو في داخل سفحي ..
أو في قاع ودياني ..
ستصير ترابا وعظاما ..
تُعلن لمن يتفكر ..
تشير لمن يتدبر ..
على مدى التاريخ ..
لجميع الأجيال ..
لكل الأعمار ..
أن الموت ..
دستور الحياة ..
وأنا ها هنا راسخٌ ..
في جمود ..
منذ الخليقة ..
منذ الأزل ..
إلى الأبد ..
بلا حراك .