لن نصل إلى ما حققته أوربا إلا بعد الدماء والدمار

• يتسابق منظروا (العصرنة) و (الأصالة) للإجابة على سؤال التقدم، الذي أجابت عليه باقتدار الحضارة الغربية. ما هو تصورك للإجابة على سؤال التقدم والتأخر في العالمين العربي والإسلامي؟
- لنفترض أن المقصود بالأصالة هو الدين الإسلامي وأن العصرنة هي حركة الإصلاح والتنوير الأوروبية، أما يطلق عليه الآن الحضارة الغربية.. فإن البداية لحركة الإصلاح والتنوير في أوروبا جاءت بأفكار ابن رشد الأسباني الأندلسي التي أشعل بها – قتل واضطهد بسببها من الدولة العربية المتهالكة في الأندلس – الصراع بين المفكرين والفلاسفة في غرب أوروبا من جهة, وتحالف المؤسسة الكنسية والملكيات السياسية الاستبدادية من جهة أخرى، وكان من أهم ثمار ذلك بعد تضحيات على مر السنين انتصار الفكر وتحييد الدين، وحين أقول الدين فأنا لا أقصد الدين الذي جاء به الأنبياء والرسل، وهو الإيمان بإله واحد والمساواة الإنسانية التي فلسفتها لا فرف بين الناس إلا بالعمل الصالح دون اعتبار إلى قبيلة أو عرق أو لون، فهذا الدين غير موجود (من زمان) وإن كانت بعض أجزاء هذا العالم الذي تتحكّم في مصائرها شعوبها تعمل للوصول لهذا الهدف.

• إذا.. ما هو قصدكم بمصطلح (الدين)؟
- عندما أذكر الدين، فإني أقصد الدين الذي توارثه الناس وهم يعتقدون أنه صحيح تماماً، لأن الدين الذي توارثناه والذي نطلق عليه لفظ الأصالة، ليس دين محمد عليه الصلاة والسلام، فهذا الدين غفل عنه أقرب المقربين لرسوله وهم القرشيون الذين لم يحكّموا دين المساواة والشورى بل حكّموا ثقافتهم القبلية فتوارث القرشيون الحكم بحجة أن النبي عليه الصلاة والسلام من قبيلتهم وليس لأن الجماعة كلها في المدينة المنورة اختارتهم، وهذا أول إسفين دق في الرسالة الوليدة، الإسفين الثاني كان الانقلاب الأموي الذي أنتج أول مؤسستين إحداهما دينية والأخرى سياسية عائلية استبدادية تحالفتا للاستئثار بالسلطة وبالتالي المال العام وثروة الأمة، وطوال أكثر من 1400 سنة توالدت عشرات المؤسسات الدينية المتحالفة والمعارضة للمؤسسات السياسية العائلية الاستبدادية، والسيف الذي هو في ثقافتنا أصدق أنباءاً من الكتب، والتي على رأسها كتاب الله، هو الذي يفصل أي تحالف يفوز بالسلطة، اي المال العام وثروة المجتمع كله.
• ما هو تحديدكم لنقاط الانحراف في علاقتنا بالله عز وجل والتي أفضت لما وصلنا إليه؟
- إن غاية خلق الإنسان ترجمتها آية (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وعندي من الصراحة ما يحتم علي القول، بأننا انحرفنا في العالمين العربي والإسلامي عن غاية الخلق، وصرفنا العبادة لغير الله، إن كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك نتيجة طبيعية لسيطرة المؤسسات الدينية والاستبدادية السياسية على هذه البقعة من الأرض وتحالفهما، وما كان هذا ليتاح لهم لو لم تسمح الشعوب، راضية أو كارهة بذلك، وهذا هو الشرك الذي هو عبادة أي طاعة غير الله، بدليل وجود بعض الطبقات النخبوية والسلطوية تعيث في أرضها وأرض غيرها فساداً، تحاسب الجميع وهي فوق الحساب، والذي يحاسب ولا يحاسب هو الله سبحانه وتعالى عز وجل، وبناء على ذلك أقولها مطمئناً بأن الذي يحل اليوم في المنطقة، تكرار تاريخي لما حدث لنبي إسرائيل في التيه، غير انه من نعمة الله عليهم، أن تاهوا 40 عاماً حتى انقرض جيل العبيد، وانبلج جيل الأحرار متجرداً من القيود التي كبّلت أجداده في ماضيه. أوروبا الغربية وقعت في ذات المشكلة وصرفت آلاف السنين من الدماء حتى تحررت تماماً من رواسب عصورها الظلامية، لا أعلم كم سندفع من السنين والدماء والدمار حتى نصل لما وصلت إليه أوروبا الغربية، الأكيد الأكيد أننا سندفع فتلك سنة الله ولن نجد لسنة الله بديلاً.

• لماذا نجح المشروع النهضوي الأوروبي وفشل المشروع العربي؟
- نحن في عالمنا كبقية المجتمعات في عوالمها يجري في دمائنا جين أو جرثومة الدين (تذكروا تعريفي السابق للكلمة) الذي توارثناه أبا عن جد دون أن يمتّ بصلة لدين الأنبياء والرسل، هذا الجين الذي ورثه كل إنسان أمكن للقائمين على المشروع الأوروبي المسيحي في تعاقب أجيال لا يكل فيه القائمون من مفكرين وفلاسفة وأصحاب نظريات ومصلحين دينيين ، لا يتوانون عن تقديم التضحيات حتى تمكّنوا من تحييد جين الدين وإضعاف نشاطه في الغرب الأوروبي فضعف الارتباط بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الاستبداد السياسي، وتقلّصت تدريجياً سلطات الكنيسة على الحياة والناس وأمكن تفكيك مؤسسة الاستبداد . ذلك تم بالتضحيات الباهظة، وكان من نتائج تلك التضحيات ظهور المجتمع الأمريكي الشمالي الخالي من النفوذ الكنسي أو السياسي الاسبتدادي وظهور مجتمعات أوروبية تحكمها شعوبها محيداً فيها الدين كسويسرا وهولندا وبريطانيا وفرنسا، ثم دخلت هذه المجتمعات في حربين عالميتين وبمساعدة فعّالة من المجتمع الأمريكي الشمالي لتحمي نفسها من الاستبداد، وكان من أهم نتائج هاتين الحربين تفكيك ما تبقى من أنظمة سياسية استبدادية في أوروبا الغربية، التي نعمت لأول مرة في تاريخها الحضاري الذي لا يتجاوز 5000 سنة بالسلام والازدهار والتقدم لفترة زمنية تجاوزت الى الآن نصف قرن، وهي التي كانت تحارب بعضها بمعدل 87 سنة في القرن وتستعد لحرب جديدة في بقيته، وكان الفوز العظيم من تحييد أوروبا للدين وتفكيك مؤسسات الاستبداد السياسي إنشاء الاتحاد الأوروبي أو ما سيطلق عليه الولايات المتحدة الاوروبية القائمة على المساواة الإنسانية، وهم يقتربون يوماً بعد يوم من تطبيق رسالة الأنبياء والرسل وشرع الله الذي هو العدل. حضارة الغرب هذه القائمة على المساواة هي النموذج الذي سيعم العالم وسيتحول إلى حضارة إنسانية، ولكي يتحول فشلنا إلى نجاح فيجب علينا أولاً وثانياً وثالثاً وإلى ما لا نهاية أن نحيد جين الدين في حياتنا، وبذلك نستطيع تحطيم قيود المؤسسات الدينية التي حوّلت الدين إلى مصدر تعتاش منه وتترفه عليه، وكبلتنا بقيود ادعت أن الدين يأمر بها، وبذلك نستطيع دق إسفين في التحالف القائم بين مؤسسات الدين ومؤسسات الاستبداد السياسي، وعندها ستكون منطلقاتنا الفكرية في مخاطبة بعضنا والآخرين إنسانية وليس عائلية أو عنصرية أو دينية أو أيديولوجية.

• متى سيحدث هذا على أرض الواقع؟
- بالتأكيد بعد أن ندفع الثمن (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون) السجدة.

• اليوم .. وبعد سقوط صنم صدام حسين، ما هو تصورك لشكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم في العالم الإسلامي؟
- من الخطأ القول، بأنه كان هناك (صدام) واحد في العالمين العربي والإسلامي، وأنه بالقضاء عليه انتهى، هناك أكثر من 100 صدام، وهناك أكثر من 500 مليون يسجدون لهم، سجدوا لصدام وأمثاله قبل ان يأتي وحين أتى وبعدما رحل، فجماهيرنا يا أخي لا تفكر بالعقول إنما بالآذان فقط، وعليه.. يبقى الحال كما هو عليه حتى نفيق بالعذابات الأليمة.
.