ذروة الديمقراطية .. العولمة الحقيقية .. ونهاية التاريخ .. 2

ذروة الديموقراطية .. العولمة .. ونهاية التاريخ .. 2
هل الديمقراطيات السائدة اليوم .. ديكتاتوريات !؟
ثورة الإتصالات ألغت كافة أشكال الحدود والرقابة والقيود التي كانت تفرضها الأنظمة والدول على اتصال الشعوب بعضها ببعض ، سمعيا وبصريا ، هذه الثورة ستفرز إن عاجلا أو آجلا لغة تعزز هذا الإتصال وتقويه . اللغة التي ستتعامل بها المجتمعات الإنسانية كلها بعد أن تصل ثورة الإتصالات إلى ذروتها بدأت تظهر معالمها ، وهي اللغة الإنجليزية . السبب هو أن المجتمع الإنجليزي كان الأسبق بالنسبة للمجتمعات الأوروبية والعالمية في تحييد سلطة الكنيسة وإلهها البابا في روما وعلى رجال الدين وسلطاتهم وسلطانهم على ملوك أوروبا ، وألغاء حصاناتهم التي كانوا يتمتعون بها . كان السبب شخصيا إذ أن البابا رفض أن يطلق ملك إنجلترا زوجته ، فخرج الملك على الكنيسة وأنشأ كنيسة إنجليزية هو رئسها ، وكان ذلك سببا لكي ينطلق الفكر ( روح الله في الإنسان ) من عقاله وقيوده وأصفاده المكبل بها مئات القرون من قبل الكنيسة وزبانيتها ومن يدّعون أن الله وكّلهم على الإنسان وفكره . لذلك كان العلماء من المجتمع البريطاني هم السباقون في الإكتشافات والإبتكارات والإختراعات العلمية على المستوى الأوروبي والعالمي . عندما اختار العالم الحديث في الولايات المتحدة الأمريكية التي استقلت عن بريطانيا اللغة الأنجليزية كلغة للدولة الجديدة - بكل ما في الجدة من معنى – فإنه كرسها من غير قصد كلغة للثقافة والعلم للعالم أجمع ، بسبب التقدم العلمي المدهش والمذهل الذي حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الماضي وبوادر هذا القرن ، والذي اشتركت فيه كل شعوب الأرض بالمهاجرين الذين تركوا أوطانهم الرازحة تحت الطغيان الديني أوالسياسي فأبدعوا وابتكروا في جو الحرية النقي الذي افتقدوه في أوطانهم . وهذه هي الثروة الحقيقية للمجتمعات ، وهي من الركائز الأساسية للعولمة الحقة والحقيقية .
لقد بدأت العولمة بثورة الإتصالات بكل أشكالها السمعية والبصرية والحسية المباشرة التي بدأ مخاضها في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وتفجرت في النصف الأخير من القرن العشرين ، أما في هذا القرن فستكون آثار انفجار هذه الثورة واضحة في كل مجتمعات الجنس البشري العاكفة اليوم على عبادة صنم مهلك ومدمر هو القوة ، وستخرج إن عاجلا أو آجلا من عبادة الصنم إلى عبادة الله وطاعة روحه فيها وهو عقلها الذي سيخرجها من عذابات صنم الدمار والدماء التي تعيشها الآن ، إلى الحرية والسلام والإستقرار والإزدهار.
العولمة الحقة والحقيقية أو نهاية التاريخ ، وليس عولمة الشركات الضخمة متعددة الجنسيات وأصحاب الثروات الفلكية في العالم – من وجهة نظري -- لن يبدأ ظهور معالمها إلا بالبدء بإصلاح النظام العالمي متزامنا مع خلق أوتطوير الأجهزة الإعلامية المملوكة من السلطات التنفيذية في المجتمعات الديمقراطية وزيادتها وتنويعها وابتكار الجديد منها وجعلها مستقلة عن السلطة التنفيذية ، ولاتحصل على مواردها المالية التي تحركها إلا من دافع الضرائب واستثماراتها الخاصة ( كال بي. بي. سي. في بريطانيا ) بحيث تكون منافسة قوية وفعالة للأجهزة الإعلامية المملوكة من قبل أفراد أو مؤسسات أو شركات تعتمد في مواردها المالية وأرباحها وتطورها بنسبة عالية على العائد المالي من إعلانات منتجات شركات ومؤسسات عمالقة رجال المال والأعمال التي تؤثر في توجهاتها لخدمة مصالحهم .
وسائل الإعلام والإتصال بكل أشكالها وأنواعها والحرية المتاحة لها جعلتها الوسيلة الرئيسية التي تشكل رأي أفراد المجتمع في الأحداث داخل المجتمع وخارجه ، وكذا الأشخاص الذين يتصدون ويتصدرون للشأن العام في كل أوجه الحياة من سياسية واقتصادية واجتماعية وفنية ورياضية داخل مجتمع معين وخارجه . هذا جعلها سلطة حقيقية لها نفوذها وتأثيرها وفعاليتها في توجيه الرأي العام الوجهة التي تخدم مصالحها بغض النظر إذا اتفقت هذه الوجهة أو اختلفت عن صالح المجتمع ، وأخضعت الأشخاص الذين تُصدّرهم أوالمتصدرون للشأن العام والذين يتم اختيارهم عن طريق صناديق الإنتخابات لمصالح عمالقة المال والأعمال ، لابل إن أحد هؤلاء العمالقة من الذين يملكون هذه الوسائل اعتلى أعلى مراتب السلطة عن طريق وسائل الإعلام المتنوعة التي يمتلكها كما حدث لبلسكوني في إيطاليا . كل هذا مرتبط بشكل أو بآخر بالمال العام وثروة المجتمع والتحكم فيهما لمصلحة الجهة الأقوى . في نهاية الأمر هي سلطة متسلطة ومنحازة أولا لمصالح عمالقة المال والأعمال الذين بيدهم توجيه الرأي العام الوجهة التي تخدم مصالحهم وتأتي مصالح المجتمع بعد ذلك .
الديمقراطية كما يبشر بها الغرب يشوبها هذا العيب المفصلي الأساسي والخطير ، وهو ظهور سلطة منحازة لا تتحكم فيها غالبية أفراد المجتمع لأنها لاتمول من دافع الضرائب ، وتعتبر لاعبا أساسيا في تشكيل السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية وكل مؤسسات المجتمع المدني التي تتحكم في المال العام وثروة المجتمع ، وبالتالي فإن المستفيد الأكبر من المال العام وثروة المجتمع هم عمالقة المال والأعمال الذين يملكون وسائل الإعلام أو يتحكمون فيها . وهذه ليست ديمقراطية ، بل هي ديكتاتورية عمالقة المال والأعمال متخفية تحت ثوب ديموقراطي به فتق كبير تنفذ منه بخفية لتستفيد هي أولا ثم المجتمع من ماله العام وثروته الوطنية . هذه الديموقراطية المعيبة التي تروج للعولمة المعيبة لتستفيد هي أولا ثم المجتمعات العالمية من أموالها وثرواتها ، هي بدون شك دكتاتورية عمالقة المال والأعمال العالميين .
الميزة الكبرى للديقراطية أنها تمتلك الآلية التي تمكنها من تصحيح عيوبها وأخطاءها عن طريق مجالسها التشريعية المنتخبة ، والإحتجاج الجماعي السلمي ، والعصيان المدني السلمي أيضا ، فالأغلبية يمكنها استعمال هذه الآليات للتصحيح . إذا تدبرنا تاريخ الديموقراطيات السائدة الآن لوجدنا أن أعرقها هي البريطانية التي تطورت عبر مئات السنين ، فجميع السلطات الثلاث مملوكة للأغلبية ، أما السلطة الرابعة والتي أشرت إلى قوتها وتأثيرها ونفوذها فإنها تخدع الرأي العام وتوهمه أن مصالحه تتفق ومصالح عمالقة المال والأعمال التي يزينها لهم الساسة الذين تتحكم فيهم وفي سطوع نجمهم أو أفوله وسائل الإعلام المملوكة للعمالقة أو واقعة تحت نفوذهم . هذا هو السائد في المجتمعات الديموقراطية . بريطانيا قد تكون الوحيدة التي يملك المجتمع كله جزءا من السلطة الرابعة متمثلا في جهاز إعلامي مسموع ومرئي قوي متطور وغني ( بي . بي . سي . ) ليس للسلطة التنفيذية والعمالقة وساسة الأحزاب الطامحين للحكم والتحكم في المال العام وثروة المجتمع نفوذا أو تأثيرا عليه ، بل إن أحد واجباته هو مراقبة أداء كل أولئك ، وبما أن المجتمع هو الممول الوحيد له فإن مصلحة المجتمع وقيمه بكل فئاته وأقلياته وأعراقه هي الهم الأول والأخير لهذا الجهاز . ال بي . بي . سي . جهاز إعلامي سمعي وبصري متطور ومتفوق على الأجهزة الإعلامية السمعية والبصرية المنافسة داخل بريطانيا وخارجها وينقصه الإعلام المطبوع المقروء من صحف ومجلات ودوريات وكتب ليصبح جهازا إعلاميا متكاملا مستقلا منافسا وبجدارة لإعلام عمالقة المال والأعمال ، وليكون مثلا يحتذى . عندها يكون المجتمع يمتلك فعلا كل السلطات ، وعندها أيضا تبدأ الديموقراطية في بلوغ ذروتها .
كما أن الديمقراطية تعاني من ديكتاتورية رجال المال والأعمال ، فإن النظام العالمي المتمثل في الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الدولية التابعة لها .. هذا النظام والقانون الدولي يعاني من ديكتاتورية القوى العظمى . كيف يمكن إصلاح ذلك لنصل إلى العولمة الحقيقة ، لاعولمة عمالقة المال والأعمال ؟ هذا بحث آخر ولاحق .