الإنسان والعنف واللاّعنف

الإنسان .. والعنف .. واللاعنف ..
كما الخوف مراتب ودرجات أعلاها خوف الإنسان على حياته ، كذلك العنف تتطابق مراتبه ودرجاته مع الخوف . العنف والخوف يتبادلان السببية وهما نتيجة لسيطرة الغريزة الحيوانية وتغييب العقل الذي ميز الإنسان - خليفة الله في الأرض - عن كل الأحياء والأشياء ، والذي في مقدوره التحكم في غريزة الخوف التي تؤدي إلى العنف عن طريق عقله والحكمة الناتجة عنه . أعلى مراتب العنف هو قتل النفس الإنسانية، والخدعة الكبرى هي حق الدفاع عن النفس فهو فخ يحكم نصبه القوي الظالم الذي يبدأ العدوان فيقوم الضعيف (بحق) الدفاع عن نفسه فيسحقه القوي ويسيطر أو يقضي عليه ، وهذا مرض يصيب المجتمعات الإنسانية فيختل بسببه التوازن بين العقل من جهة والهوى أو النفس الأمارة بالسوء من جهة أخرى .
الله سبحانه وتعالى يحذرنا من الوقوع في هذا الفخ في قصة ولدي آدم في سورة المائدة (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتُقبل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر فقال لأقتلنك ، قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ، إني أخاف الله رب العالمين * إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار . وذلك جزاؤ الظالمين) المائدة 27 - 29 .
(ونفس وما سواها*فألهمها فجورها وتقواها) الشمس 7و8 .
العنف (الفجور) بكل أشكاله المادية والمعنوية ينتج عنه صراع ، والصراع لا يتم إلا بوجود طرفين ، فإذا لم يقم طرف بالرد على العنف يتوقف الصراع وتبطل كل مبرراته ، وهذا هو المقصود بعدم الوقوع في شرك أو فخ الدفاع عن النفس الذي يكون البادئ به القوي وضحيته الضعيف .
العنف نوعان إيجابي وسلبي، فإذا قامت به الجماعة أو من يمثلها عن طريق الإختيار الحر، لرفع الظلم (كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والمتحالفين معهما في العراق الآن) أو لمصلحة الجماعة أصبح من تقوى المجتمع . العنف بكل أشكاله المادية والمعنوية هو الفجور الذي يقوم به الفرد الإنسان ضد كل الأحياء والأشياء . أكبر كبائر الفجور(العنف) هو قتل النفس الإنسانية التي نفخ الله فيها من روحه ، فهي مقدسة بروح الله . والتقوى هي ما تقوم به النفس الإنسانية من إحسانٍ وإيثارٍٍ متوازنٍ مع الفجور(العنف) .
الإنسان أو الناس من آدم عليه السلام وكل ذريته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها لا يستثنى منهم أحد .. نعم بالتأكيد الجازم فليس هناك إنسان معصوم - العصمة لله وحده – بما في ذلك الأنبياء والرسل والصالحون المصلحون والراسخون في العلم ، فنفوسهم تحمل من الفجور(العنف) نفس القدر من التقوى ، والدرجات عند الله تبدأ بالتوازن بين العنف والتقوي وتتصاعد إلى أعلى أو تنحدر إلى أدنى بتغلب الموجب على السالب أو العكس ، عدى الأنبياء والرسل فيقوم الله – سبحانه - بتنبيههم ولومهم وتصحيحهم بالإلهام أو الوحي أولا بأول على العنف الذي يقومون به ، ليرسخ مبدءا وليعطي درسا للمؤمنين ، فحتى الأنبياء والرسل غير محصنين وليس من حقهم ولايجوز لهم كأفراد ممارسة العنف أو الفجور ، فلا تغرنكم الثياب الفخمة أو الذقون الطويلة أو الجبب والقفاطين الفضفاضة أوالعمائم السوداء والخضراء أو الحجاب أو النقاب ، فإنها كلها وبألقابها من الجلالة والفخامة والمعالي والعصمة والآيات العظمى والصغرى والعلامّة والإمامة الكبرى والصغرى والفضيلة والسماحة والداعية والداعي ، فلا تغرنكم الألقاب الرنانة التي قد تخفي تحتها الفجور بعينة ومخالبه وأنيابه . القرآن به آيات عديدة عن لوم الله للأنبياء والرسل بالذات على الفجور الذي ارتكبوه ، وسورة (عبس) بها لوم شديد وتحذير للرسول النبي محمد عليه الصلاة والسلام على العنف أوالفجور الذي ارتكبه بحق الأعمى وأن لايعود لمثل مافعل . الأنبياء والرسل يرتكبون العنف المادي والمعنوي كأفراد بوحي وأمر من الله وهو عنف إيجابي لمصلحة المؤمنين أو هو عقاب للمجرمين ، كما جاء في سورة الكهف وغيرها من السور التي يأمر فيها الله الرسل والأنبياء بالقتل والقتال .
يمكنني أيضا القول أن الفجور هو السيئات والتقوى هي الحسنات ، كما يمكنني أن أتصور أن الإنسان عندما يبلغ رشده يصبح كلاعب السرك الذي يقف على منصة (الحياة الدنيا) في أعلى قمة خيمة السرك وأمامه سلك رفيع له نهاية (الصراط المستقيم) يمثل حياته في الدنيا ، يمتد إلى منصة أخرى(الحياة الباقية) وعليه أن يسير على هذا السلك (الصراط المستقيم) ممسكا عصاة من منتصفها (الفجور والتقوى) لحفظ توازنه وهو يتمايل يسارا ويمينا بين الفجور والتقوى إلى أن يبلغ المنصة الأخرى (الحياة الآخرة) . يفقد أكثر الناس توازنهم فيهوون في أي وقت وهم يسيرون على السلك الرفيع (الصراط المستقيم) ناحية اليمين فيكونوا من الضالين أو ناحية اليسار فيكونوا من المغضوب عليهم .
الإنسان يمكنه أن يتحكم في نفسه ولا يرتكب كثيرا من أنواع الفجور(العنف) ولكن من المستحيل إلا أن يرتكب أنواعا منها ، وكل ذلك يعتمد على البيئة التى نشأ وترعرع فيها والتجارب التي مر بها . ما ينطبق على الأفراد ينطبق على المجتمعات ، فالنظام الشمولي في أي مجتمع يطغى بالفرد أو العائلة أو القبيلة أو بشعار القومية أو براية الدين أو أية أيدلوجية ، فيعيث في المجتمع فسادا ويجعله يعبد أي يطيع صنما هو القوة (الفجور أو العنف) المكرسة لحماية النظام وقمع أي فرد من أفراد المجتمع يستعمل عقله .
حكم الجماعة بلغة الأنبياء والرسل أو نظام الحكم الديمقراطي بلغة مجتمعات المساواة الإنسانية ، تتحكم فيه السلطة المختارة من الشعب ، بالقوة (الفجور أو العنف) وتوجهها الوجهة التي تعود على المجتمع بكل فئاته ودياناته وطوائفه و المقيمون الغرباء بالتقدم والإزدهار .
إذا تمعنا في الأنظمة الديمقراطية منذ بداياتها وإلى يومنا هذا نكتشف أنها كانت دائما دائما المنتصرة في الحروب التي تشعلها الأنظمة الشمولية . حدث ذلك في الحربين العالميتين الأولى والثانية وبعدهما في الحروب الصغيرة . أما في التاريخ القديم فإن حروب الأنبياء والرسل (حروب حكم الجماعة) فكانت دائما دائما المنتصرة . فإذا جاء الحق زهق الباطل .
بعد الحرب العالمية الثانية حصل الإتحاد السوفييتي على الصنم النووي ، ومنذ ذلك الوقت وإلى الربع الأخير من القرن العشرين ، كانت هناك قوتان عالميتان هما الأتحاد السوفيتي المتحالف مع أنظمة شمولية مشابهة صنعتها القوة الظالمة ورعاها الإرهاب ، والولايات المتحدة الأمريكية المتحالفة مع أنظمة ديمقراطية مشابهة صنعتها الشعوب المناضلة المكافحة .. كان بينهما توازان في العنف أي الفجور أي القوة المدمرة للأرض الذي أنتج خوفا ورعبا متبادلاً ساد بينهما بسببه تعايش مر حافل بالعنف المعنوي المباشر والعنف المسلح الغير مباشر الذي يقوم به عملاء الدولتين من الدول المتخلفة الفقيرة . الحرب المعنوية المباشرة تلك بين أنظمة المساواة الإنسانية وأنظمة الآلهة المعصومين أُطلق عليها .. الحرب الباردة . انتصرت أنظمة المساواة الإنسانية على الأنظمة الشمولية التي تفرق بين الناس وتقمعهم وترهبهم . تفكك الإتحاد السوفيتي والمتحالفون معه وبدأوا جميعا الخطوات الأولى في رحلة المساواة الإنسانية .. رحلة الديمقراطية .. رحلة الحرية والتقدم والإزدهار التي شملت الآن أوروبا بشرقها وغربها .
عقبال عندكم .. أيتها المجتمعات المحكومة بالظلمة ، أما ظالموا أنفسهم فهم الأعضاء والأحشاء والفضلات .. !!؟؟