الأب الحكيم والابن الغضوب

احتار أحد الآباء في معالجة حالات النزق عند ابنه فأراد تعليمه كيف يضبط مشاعره ونوبات الغضب عنده. فلما كلمه قال له يا أبت ليس لي من سبيل عليها فهي تملكني ولا أملكها وأتمنى أن أضبط نفسي . قال له يا بني أريد منك أن تحمل هذا الكم من المسامير ودفع في يده بكيس مليء بالمسامير وناوله في اليد الثانية مطرقة ثم قال له: كلما انفعلت أو غضبت فاضرب مسماراً في هذا الحائط فلعلك تتذكر فتملك نفسك عند الغضب. أطاع الغلام أباه وبدأ يضرب مع كل انفجار في مرجل غضبه مسماراً واحداً فإذا تكررت معه النوبة ضرب اثنان وهكذا. كان اليوم الأول كارثة لأن الحائط تحول إلى نقش مخيف من مسامير شتى . تأمل الولد الحائط وعرف أن غضبه ارتسم في لوحة قبيحة لا تسر الناظرين . ولكنه مع تقدم الأيام بدأ عدد المسامير بالتناقص تدريجياً حتى كان ذلك اليوم الذي لم يضرب فيه مسماراً قط . وهكذا هدأت نوبات الغضب وتوقفت عملية ثقب الحائط المستمرة . انطلق الابن إلى أبيه فرحاناً جذلاً: انظر يا أبت لا مسمار اليوم . قال له والده الحكيم حسناً الآن سنعيد الكرة ولكن بالعكس ، فكل يوم يمر عليك فلا تغضب فيه عليك نزع مسمارا من الحائط .
تأمل الولد الحائط ، لقد كان العدد مريعاً مع كل أيام الانفعالات التي لا يحصيها المرء ، ولكنها كانت حكمة بالغة . وهكذا بدأ العد التنازلي فالنفس انضبطت وعادت إلى السواء ، والمنعكسات تأسست على نحو متوازن وأصبح الإبن في حالة رائعة من الصحة النفسية وعدد المسامير بدأ يقل من الحائط ، إلى أن كان اليوم الذي هرع فيه الولد إلى أبيه وعلى قسمات وجهه مزيج من الحبور والانتصار . يا أبت لقد زالت كل المسامير أنا فرح جداً اليوم لقد رجعت إلى أفضل حال وأصبحت لا أنفعل مهما كان الوضع سيئاً بل أتعامل معه بهدوء . ابتسم الأب الحكيم وأخذ بيد ابنه ثم اقترب من الحائط وقال له ضع أصابعك في الثقوب هل تشعر بها ؟ أطرق الإبن خجلاً وقال نعم إنها ذكريات من تلك الأيام السيئة . قال له الأب : يا بني إن الأخطاء التي نعملها تشبه هذه الثقوب، وإن الكلمات والانفعالات جروح حقيقية . إنك لو طعنت أحداً بسكين ثم انتزعته من لحمه وقلت له ألف مرة أنا آسف فلن تلحم الكلمات اللحم وسيلتئم الجرح وفق طبيعته الخاصة به ولكنه لن يعود كما كان قط بل سيترك ندبة لا تزول إلى الموت ، وإن نفوسنا كذلك . إن أحدنا لو أحسنت له الدهر كله ثم أسأت له مرة فلن ينساها لك إلا ذو صبر وذو حظ عظيم، لأن الجروح لا تندمل بدون ندب، وكذلك النفوس إذا انجرحت، والخاطر إذا انكسر. وإنك لو أحسنت إلى أحد ثم أسأت إليه ، قال لم تحسن إلي . هكذا جبلت النفوس، ونحن في تعاملنا مع الآخرين لا ننسى أخطاءهم تجاهنا، وننسى في هذا الضباب كل أعمالهم الحسنة ، ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) فصلت 34، 35