هذا تعليقي

أخي أنس أخي الحكيم .. هذا تعليقي على ما يدور بينكما :
إن الإنسان ليطغى .
أما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .
كنت طالبا في مصر من عام 1949- 1955 وناشطا سياسيا في الجامعة . خرجنا في مظاهرة ضمت كل الأحزاب والقوى الساسية مؤيدة لمحمد نجيب عندما انتزع الطاغية طفلة الديمقراطية من الشعب المصري الذي حاول قائد الإنقلاب محمد نجيب إعادتها (الأمانة) إليه ، فتصدى له الطاغية بعشرات ألوف العمال الذين جلبهم من كل مكان إلى القاهرة . أذني سمعت المظاهرة تهتف (تسقط الحرية ، تسقط الديمقراطية) . قتل الحرية بكل وسائل الخنق ودفنها في مكان مجهول لم يكتشفه أحد لهذه اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور . ضربنا نحن بهروات البوليس وأخذ العمال إجازة ونقود . انقلب الطاغية على محمد نجيب والجميع يعرف بقية القصة المأساة . لقد كنا الأخوة الذكور مجتمعون حول الراديو عندما أعلن الطاغية أنه (أحّ) سيتنحى . رأيت الدموع في أعين أخوتي وقلت لهم ساخرا بمرارة .. كذّااااااااااااااااااااااااااااااااااب ، والله العظيم كذاب ، وهو بالفعل كذلك .
أما مأساة تأميم قناة السويس فهي تجسد حكم الفرد الذي يصل به الأمر إلى الاعتقاد أنه إله ، فقراره هو القضاء والقدر ولاحاجة له باستشارة او سؤال أحد . لو أن الطاغية سأل أي أستاذ في القانون الدولي لتراجع عن الإعلان (على افتراض أنه يعقل ويتدبر) . بعد الإعلان عن التأميم تجرأ استاذ للقانون الدولي وأخبر الطاغية أن تداعيات هذا التأميم خطيرة ، لأنه أصبح من حق شركة قناة السويس بموجب القانون الدولي الإستيلاء على أية أملاك تخص الحكومة المصرية خارج مصر كالبواخر والطائرات وغيرها من الأملاك والأرصدة المالية ، فاضطر الطاغية أن يشتري من البورصات العالمية ما أمكنه بأضعاف السعر لأسهم شركة قناة السويس المؤممة ، ونقلت طائرات الشحن الغطاء الذهبي للنقد المصري إلى زيورخ لبيعه لشراء الأسهم . قلبت المخابرات حياة الاستاذ إلى جحيم لأنه تجرأ وقال للغول (عينك حمرا) وليست عسلية كما فعلت جموع المواشي من محيط الهزائم و الانكسارات إلى خليج التفاخر الكاذب والتفاهات .
الطاغية أو الإله المزيف أضاع كل فلسطين وكل سيناء والجولان ويجد في هذا العالم الظالم والظالم لنفسه من يقدسه ويقدس أفرادا مثله تماما ، لا يتميزون عنه إلا بالمكر والخداع والقسوة . الله وفي أول سورة نزلت من القرآن يقول عن الإنسان الفرد (إن الإنسان ليطغى) . الخطاب القرآني موجه دائما دائما للجماعة ، وأهم ما يهم الجماعة هو الأمر ، أي الحكم الذي هو شورى بين الناس . الخطاب الٌقرآني عندما يكون موجها لفرد يكون موجها دائما دائما لرسول أو نبي يأمره الله بالوحي ، افعل أو لا تفعل .
نحن مهووسون بتقديس الفرد بدءا بأبي بكر إلى أن نصل إلى الطاغية الصغير القذافي أو أي ذكر يطغى على أنثى هي أمه أو اخته التي أكبر منه أو أي أنثى في هذا العالم الهالك لا محالة ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا ) وإن وعد الله حق ، فلا تغرنكم القباب (اللي من برّا رخام ومن جوّا صخام) .