حقيقة الحكم بما أنزل الله

حقيقة الحكم بما أنزل الله ...
الله سبحانه وتعالى أنزل الكتب السماوية، وآخرها القرآن الكريم الذي تعهد بحفظه من التحريف ، أنزل هذا الكتاب المبين الذي تنقسم آياته إلى قسمين أحدهما متشابه حذّرنا من إتباعها لأنها تؤدي إلى الفتن ، ولكن الذين يريدون أن يحيدوا عن الحق لخدمة مصالحهم الدنيوية يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ( الآية السابعة من سورة آل عمران ) 0
كتاب الله فيه أيضا أحكام أو تشريعات إلهية يحكم بها رسول الله (ع) المجتمع الجديد الذي تحول من الشرك والكفر إلى الإسلام والإيمان 0 هذه الأحكام أو التشريعات منها ما كان معمولا به في الجاهلية ومنها ما هو جديد كأحكام الزواج والطلاق والظّهار!؟  وما يترتب عليها من مسؤوليات، وكذلك تشريعات الإرث والسرقة والزنى والرق وملك اليمين والقتل وغيرها الكثير 0 كل هذه الأحكام أو التشريعات جاءت في كتاب الله 0 كما أن آيات كتاب الله في قتال المشركين والكفار استعملت في الفتنة الكبرى عندما كفرت الأعراب (الخوارج) كل من يخالفهم وقاتلوه 0 الخوارج تكرروا آلاف المرات خلال الألف والأربعمائة عام الماضية حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن 0
هذه خمس آيات من سورة المائدة ثلاث منها يأمرالله فيها بوضوح وبيان وجزم على وجوب الحكم بما انزل الله 0
( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ، ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون * وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن وبالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون * وقفينا على أثرهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة ، وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما انزل الله فيه ، ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون * وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فأحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ، ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم ، فاستبقوا الخيرات ، إلى الله مرجعكم جميعا فينبؤكم بما كنتم فيه تختلفون *)0
وأوضح لنا الله وبين بما لا يحتاج إلى تفسير وتأويل أن الذين لا يحكمون بما انزل الله فأولئك هم الكافرون في الآية 44 وهم الظالمون والفاسقون في الآيتين 45 و 47 0 والآيات الثلاث هذه تخص أهل الكتاب من يهود ونصارى . في الآية 48 يوجه الله سبحانه وتعالى خطابه إلى النبي وليس إلى المؤمنين ، أي أن الخطاب للفرد الرسول الذي ينزّل عليه الأحكام والتشريعات الجديدة لمجتمع جديد تحول إلى الإيمان ، وهي منزلة على الفرد الرسول ليحكم بها بين الناس 0 أما بعد الرسول أو النبي فالذي يحكم هو الجماعة أو من تختاره0 أما التشريع وتعديل أو إلغاء التشريع فهو للجماعة أو من اختارتهم ، أو ما يطلق عليه المجلس التشريعي المنتخب0 هذا واضح تمام الوضوح في الآيات 44 و 45 و 47 التي فيها الخطاب للجماعة وليس الفرد 0 الفرد الذي يحكم منفردا هو رسول أو نبي تنزّل عليه من الله مباشرة الأحكام والتشريعات وإذا أخطأ فالله ينبهه إلى الخطأ وينهاه عن الخروج عن المبادئ التي من اجلها أرسله لهداية الجماعة إلى صراط الله المستقيم 0 القرآن فيه عدة آيات نبّه فيها الله الرسول محمد (ع) إلى الأخطاء التي ارتكبها وأمره بعدم تكرارها كما في سورة ( عبس ) وسورة التحريم وغيرها من الآيات في سور القرآن0 الفرد في الجماعة غير مؤهل بتكوينه ليحكم بين الناس ( كلا إن الإنسان ليطغى ) العلق 0
الله سبحانه وتعالى يقول في الآية 25 من سورة الحديد ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز )
الخطاب في هذه الآية موجه إلى الناس كلهم وليس نبيا أو رسولا فردا 0 الله يخبرنا جميعا انه أرسل الرسل بالبراهين الواضحة على ألوهيته، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط .. ليقوم الناس وليس الفرد بالقسط . الميزان معناه التوازن وعندما تتعادل كفتا الميزان يحدث القسط أي العدل الذي يقوم به الناس وليس الفرد الذي بتكوينه لا يعدل بل يطغى ليستأثر هو بالخير والمنفعة أولا ، أما الجماعة فان أفرادها المتساوون سيتفقون كيف يتم تعميم الخير والمنفعة على أفراد المجتمع كله 0
في هذه الآية أيضا يخبرنا الله أنه أنزل الحديد الذي نعرف من خلال العلم الذي علمنا إياه الله باستعمال عقولنا، أنه أنزله لأغراض كثيرة تنفع الإنسانية أهمها نصر الله ورسله الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى لرفع الظلم عن الناس ، الذي يرتكبه الفرد القوي ماديا بحق إخوانه في الإنسانية 0 الحديد يستعمل في صناعة السلاح الذي لا يجوز استعماله إلا لرفع الظلم عن المظلومين ، وأن يسخّر ما يملكه الحديد والسلاح المصنوع منه من بأس وقوة لنصرة رسالة الله لرفع الظلم عن الناس من قبل فرد أوجماعة ، كفر وكفروا بالمساواة الانسانية .. أي كفروا بالله ، وجهلوا من أنفسهم آلهة يحاسبوا ولا يحاسبوا 0 هذا هو المقصود بمن ينصر الله ورسله الذين أرسلهم برسالة وحدانية الإله .
النصوص الموجودة في الكتب السماوية أنزلت ليحكم الرسل بها الجماعة 0 الأغلبية بعد الرسل أو الرسول تضع هذه النصوص على الميزان فان بقيت صالحة تطبق ، وان كانت لا تمكن الجماعة من القيام بالقسط أو العدل بين الناس فإنها تعدل لتصبح عادلة أو تلغى 0
لذلك فما يستعمله مرتزقة الدين والسياسة من نصوص الأحكام والتشريعات الواردة في آيات كتاب الله فمن قال بعدم تطبيقها فهو كافر ظالم فاسق، وكذلك المجتمعات التي لا تحكم بالشريعة (لكل مرتزقة شريعة خاصة) فهي مجتمعات كافرة ظالمة فاسقة يجب قتالها 0
إنه لأمر مستغرب ومحير ومثير لعلامات الاستفهام المنكرة غير المصدقة أن تغلب على الشرائع إياها التي يتقول المرتزقة بأنها شرع الله ، الأحاديث النبوية وبعض الآيات المتشابهة0 هذه الأحاديث أول ما بدأ تسجيلها كان بعد ( 150 ) عاما من وفاة الرسول ( ع ) أي أن الذي سمعها بمفرده من الرسول توفي والذي سمعها منه توفي ، وهكذا إلى أن نصل إلى الخامس أو السادس أو السابع ، وقد تأخر تدوين الحديث ، الذي دوّن بعضه بعد وفاة الرسول (ع) بأكثر من مائة عام000 هذه الأحاديث تملك من القوة في التشريع ما لا يملكه القرآن ، فالقرآن يعترف بأن آياته تنقسم إلى قسمين محكم ومتشابه 0 أما في علم الحديث فليس هناك أحاديث محكمة ومتشابهة ، فكلها محكمة حتى الضعيف منها ، وتملك من القوة ما يلغي بعض أحكام القرآن وتنسخها ، والكثير منها يأمرنا بشكل مباشر أو غير مباشر بطاعة الطواغيت !!؟؟